مقال عن إيراد الأصول والكافلين في الظهير المنظم لحوادث الشغل
إن إيرادات الأصول في حوادث الشغل منظمة
تنظيما دقيقا بمقتضى الظهير الشريف رقم 190 - 14 - 1 الصادر في 6 ربيع الأول 1436
(29 ديسمبر 2014) بتنفيذ القانون رقم 12 - 18 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل والمنشور
بالجريدة الرسمية عدد 6328 بتاريخ 22/01/2015 الصيغة العربية. (تجدر الإشارة إلى
أنه لم تتم ترجمته للغة الفرنسية بصفة رسمية من طرف الحكومة وهناك ترجمة له غير
رسمية سبق أن نشرتها "الجامعة المغربية للتأمين" على موقعها على
الأنترنيت).
وعلى الرغم من ذلك فقد نال النص القانوني (المادة
103 من القانون المذكور) حظه السئ من التفسير التعسفي كما سنرى.
إن الأصول هم من ذوي الحقوق في كلا
الظهيرين (ظهير 1963 وظهير 2014)، ولكن (الكافلين) لم يكونوا كذلك بظهير 1963 بل
تمت إضافتهم بظهير 2014، حيث نصت المادة 103 على ما يلي:
[المادة 103: يمنح لكل واحد
من الأصول أو الكافلين، يكون وقت وقوع الحادثة في كفالة الهالك، أو
يثبت إمكانية حصوله على نفقة من الهالك، إيرادا عمريا (إيراد عمري) يساوي خمسة
عشرة في المائة (%15) من أجرة المصاب السنوية حتى ولو كان لهذا الأخير زوج أو ولد
طبقا لأحكام المواد من 87 إلى 102 من هذا القانون].
والتعسف في النص هو التوجه الذي ذهب إليه
بعض فقهاء القانون بحشر الإخوة الأشقاء من ضمن ذوي الحقوق بعلة أن كلمة (الكافلين)
ليست إلا (المتكفل بهم) اعتمادا على ما جاء بعده من شرط وهو أن (يكون وقت وقوع
الحادثة في كفالة الهالك، أو يثبت إمكانية حصوله على نفقة من الهالك).
فهل بربكم قد جعل هذا النص (الكافل) و
(المتكفل به) كلمان مترادفتان؟
بالطبع لا، ولكن نجد مثلا الأستاذ محمد
سعد جرندي في
كتابه (الدليل العملي لظهير حوادث الشغل) وهو هامة كبيرة في مجاله حيث شغل منصب
رئيس الهيئة الاجتماعية الثانية بمحكمة النقض يقول:
]يحتوي هذا
القسم الفرعي الذي يحمل عنوان "الإيراد الممنوح للأصول والكافلين" يحتوي
على مادتين (من المادة 103 إلى المادة 104) تعرضت لكل من "إيراد أصول المصاب
ومن كانوا تحت كفالته" من جهة و"الحد الأقصى لمجموع إيرادات أصول المصاب
ومن كانوا تحت كفالته"، وهو ما يعني أن الأمر يتعلق بمكفولين وليس بكافلين.
ثم أورد بالهامش تحت رقم 42
تعليقه هذا: نعتقد أن صفة "الكافلين " غير دقيقة التي جاءت بصيغة اسم
الفاعل، وأن الصحيح هو أن تطلق عليهم كلمة "المكفولين"، باعتبار أن
المصاب الهالك هو الذي كانوا تحت كفالته، وهو الذي يحمل صفة الكافل، لذلك فإن
استعمالنا لكلمة "الكافلين" سيكون بنوع من التحفظ.[ انتهى قوله.
ونسي الأستناذ الجليل أن يبحث بالنص عن وجه
الشبه بين (الأصول) وبين (الكافلين)، ذلك الوجه الذي جعلهما من ذوي الحقوق وبالتالي
أن يكونا سواسية في الإيراد.
لقد كانت بداية تحليل النص خاطئة ولذلك هي
حتما ستؤدي لنتيجة خاطئة، إن البداية بالقول "إيراد أصول المصاب ومن كانوا تحت
كفالته" خاطئة لأن النص جعل "من تحت كفالته" شرطا في استحقاق
الإيراد لكل من الأصول والكافلين كما سنرى وليس شخصا ممن يمكن حشره من ضمن ذوي
الحقوق.
والآن نقوم بتحليل لغوي وقانوني للفصل 103
والذي طرح هذا الإشكال الكبير وهو وقوع بعض القضاة في إقحام الأشقاء من ضمن ذوي
الحقوق.
التحليل اللغوي:
من الذي جعلته المادة 103 في الدرجة
كالأصول ومنحته الحق أن يكون من ذوي الحقوق؟
إنهم: (الكافلين)، فمن هو الكافل؟
الكافل في معجم لسان العرب لابن منظور هو
الضامن والعائل الذي يلتزم بالإنفاق على غيره والقيام بشؤونه.
هل ذكرت المادة 103 أو صرحت بـ (المتكفل
بهم) أو (المكفولين)؟
والجواب هو: لا
إذن، لماذا نجعل (المكفول) و(المتكفل به)
في مرتبة الكافل؟ بالرغم من كونهما كلمتان غير مترادفتان.
ولكن بعض القضاة والكتاب القانونيين قد أوَّلُوا
النص تأويلا تعسفيا حيث طعنوا في المراد من كلماته فلووا أعناق تلك الكلمات
لتتماشى مع توجههم بقولهم (لذلك فإن استعمالنا لكلمة "الكافلين" سيكون
بنوع من التحفظ) وكأن النص تسرب له خطأ مادي لتحل به كلمة (الكافلين) مكان
(المتكفل بهم).
ولكن من الواضح أنه قد غاب عمن تبنى هذا
التوجه [وجه التشابه بين (الكافلين) وبين (الأصول) والذي حمل القانون في منح
(الكافلين) نفس حقوق (الأصول)].
والآن لا بأس من معرفة السبب في إدراج
(الكافلين) من ذوي الحقوق وجعلهم في نفس درجة (الأصول):
من المعلوم أن ظهير 1963 منح الحق في
الإيراد للأبناء بالتبني ولكن لم يمنحه للكافل الذي هو الأب بالتبني، وهذه ثغرة
انتبه لها (ظهير 2014) فسدها ولكن عدم فهمها من بعض القضاة أساء تطبيقها.
التحليل القانوني:
لقد حددت المادة 103 ما يلي:
- الحق في الإيراد العمري لكل واحد من الأصول
أو الكافلين،
- اشتراط أن يكون (الأصول أو الكافلين)
وقت وقوع الحادثة في كفالة الهالك،
- اشتراط إثبات إمكانية حصول (الأصول
أو الكافلين) على نفقة من الهالك،
- تحديد نسبة الإيراد العمري لـ (الأصول
والكافلين) في خمسة عشرة في المائة (%15) من أجرة المصاب السنوية لكل
واحد منهم حتى ولو كان لـ (الأصول والكافلين) زوج أو ولد.
- كما اشترطت المادة 104 عدم تجاوز نسبة
30% مهما بلغ عددهم.
ولذلك لاحظنا على بعض الأحكام
التي تخول الحق في الإيراد للأشقاء وقوع عيبان قانونيان بها.
فالعيب الأول: أن الأحكام جعلت (المتكفل بهم) مرادفا لـ (الكافلين)
وهو بعيد عن اللغة ومدلولها.
فكل ما تعنيه المادة 103 بالضبط
هو استفادة (الكافلين) بالتبني للهالك من نفس حقوق (الأصول) ولكن
بشرط إذا كانوا هؤلاء جميعا تحت كفالة الهالك، وإلا فلا الأصل ولا الكافل له أي
نصيب من الإيراد في غياب هذا الشرط.
فلو أن هالكا إثر حادثة شغل
كان له أب أو أم أو جد أو جدة
أو كلاهما معا ممن تكفل بالهالك عند صغره وهم (الأصول) أو كان هناك رجل أو
امرأة أو كلاهما ممن تكفل به بالتبني عند صغره وهم (الكافلين) فهو يستفيد
بالشرط الذي وضعه القانون بكونه وقت وقوع الحادثة في كفالة الهالك.
والعيب الثاني: مخالفة المادة 104 حيث منحت بعض الأحكام ذوي الحقوق
تطبيقا للفصل 103 وبشكل تعسفي إيرادا على نسبة بلغت 85% في حين أن هذه النسبة لا
يمكن أن تتجاوز 30% مهما كثُر عددهم.
بالإضافة إلى كون الأصل في ذوي
الحقوق في حادثة الشغل قد حدد أصنافهم القانون فحصرهم في:
- الزوج،
- الولد،
- الجد أو الكافل،
ثم جعل لكل منهم شرطا:
- فالزوج ينتفي عنه الإيراد بزواجه مرة
أخرى عند فقدان كل أولاده للإيراد بالسن أو بعدم التمدرس،
- والولد (ذكرا كان أم أنثى) حدد سنه
الأقصى في 26 سنة وأوجب تمدرسه بعد سن السادسة عشرة وإلا انتفى عنه الإيراد،
- والأصول (الوالدان والجد والجدة) كما هو
الحال مع الكافلين أوجب القانون ما يفيد الإنفاق عليهما من طرف الهالك وإلا
لم ولن يستفيدا من الإيراد كما أنه لم يشرط لهما لا سنا ولا زواجا.
أما الإخوة الأشقاء (حتى لو كان
الهالك مُتكفِّلا بهم وقت حياته) فليسوا بأي نص من ذوي الحقوق، ولو كانوا كذلك
لانتفى عنهم الإيراد في سن معين أو مع عدم التمدرس أو بالزواج.
إذن فالإخوة والأخوات لا أصل
لاستفادتهم لا بهذا النص ولا بغيره، إذ لو كان في الأمر سعة لشمل الأولاد الذين
توقفوا عن الدراسة بغض النظر عن سنهم (وهم من المتكفل بهم ومن المكفولين) حسب
المادة 101 و 102 و 111 من ظهير 2014 بـ (القسم الفرعي الثاني) تحت عنوان (الإيراد
الممنوح لليتامى).
تجدر الإشارة هنا إلى أن (الأواد بالتبني)
في (ظهير 1963 بالفصل 105 منه) هم نفسهم (الأولاد المتكفل) بهم في (ظهير 2014
بالمادة 102 منه).
وربما جاء ذلك تفاديا لحرمانهم (أي
الأولاد بالتبني) من أن يكونوا من ضمن ذوي الحقوق لكون (مدونة الأسرة) قد نفت عن
(المتبني) صفة الوارث وذلك بالمادة 149 منها حيث نصت: [يعتبر التبني باطلا، ولا
ينتج عنه أي أثر من آثار البنوة الشرعية. تبني
الجزاء أو التنزيل منزلة الولد لا يثبت به النسب وتجري عليه أحكام الوصية]. الجريدة
الرسمية عدد 5184 الصدرة في 5 فبراير 2004) (ص 434).
أضيف هنا سؤالا في غاية الأهمية
وهو: من تجب عليك نفقته؟
باسقرائنا لمدونة الأسرة وخاصة المادة
193 منها نجدها تنص على ما يلي: "إذا كان الملزم بالنفقة غير قادر على أدائها
لكل من يلزمه القانون بالإنفاق عليه، تقدم الزوجة، ثم الأولاد الصغار ذكورا أو
إناثا، ثم البنات، ثم الذكور من أولاده، ثم الأم، ثم الأب".
لقد حددت هذه المادة بشكل جلي
من تجب عليك نفقته، وليس من ضمنهم البتة الأشقاء ذكورا كانوا أم إناثا.
فلماذا نجعلهم من ذوي الحقوق؟؟؟؟!!!
إذ لو كان الأمر كذلك لتحدث
الظهير عن (الورثة) ومن المعلوم أن الورثة ليس كلهم من له الحق في الإيراد نتيجة
وفاة بسب حادثة الشغل أو مرض مهني.
إن الذين يصلح أن يستفيدوا من
الإيراد دون شرط زواجهم أو سنهم أو كفالتهم من طرف شخص آخر هم (الأصول والكافلين)،
وذلك لكونهما قد تشابهوا في دور الأبوة حيث أن هذا جد بالنسب وذلك كافل بالتبني، فقد
تساووا في منحهم الإيراد.
أرجو من العلي القدير أن تصل
كلمتي هاته بشكل عام إلى من يعنيهم الأمر من قضاة ومحامين وبشك خاص إلى أهل الحل والعقد
من رجالات محكمة النقض.
الأستاذ لحسن بن عدي قروشي
خبير في حوادث الشغل والأمراض
المهنية



















